“عبد الملك” عودة للحياة بعد سبعة عشر يوماً

لم يكن حظه حسناً، حينما دهسته سيارة مُسرعة في الأول من أغسطس الماضي، بينما كان يعبر الطريق للحاق بابن عمته في الطريق الآخر، لكنه كان حسناً حينما حفته العناية الإلهية، بإبصاره النور ثانية بعد سبعة عشر يوماً على صوت أبيه، وهو يناديه “لوكي…لوكي”، بعد أن كان يصرخ على مسعفيه “بابا، بابا” وهو في طريقه لـ “قسم الحوادث والطوارئ”، وحالته مهددة بالموت.

عبد الملك كمال الفنير، “5 أعوام”، آثار الدماء زادت من احمرار قميصه الذي يرتديه، ووجه شبه منشطر، حتى أن ملامحه تكاد تختفي، ورجل مكسورة، ورضوض أخرى في الجسم.

لم أتوقعه كذلك!

يقول والده لحقت بابني “عبد الملك” الذي أسعفه قريب لنا لقسم الحوادث والطوارئ، صُدِمت عندما رأيت ابني الآخر “شقيق عبد الملك” البالغ من العمر 8 أعوام في المستشفى، يبكي وهو يردد “خويا… خويا”، فحاولت التهدئة من روعه.

يضيف، جئت لغرفة الإنعاش بقسم الحوادث والطوارئ، وجدت ابني على السرير، ويتجمع من حوله الأطباء للتشاور بشأن حالته، لم أتمالك نفسي، نزلت دموعي، وأصبحت أحمد الله وأحوقل مرات ومرات، وإحساسي كان أن ابني سيتوفاه الأجل لا محالة، وإن عاش فسيعيش معاقاً، دعوت ربي أن يسلم ابني، وألا يعيش معاقاً.

10 ساعات..

غير بعيد مني رأيت أطباء يتشاورون، يهاتف بعضهم بعضا، أحدهم قال لزميل له: طبيب جراحة وجه وفكين كان في طريقه للعاصمة طرابلس، “هناك حالة تحتاج لعملية مستعجلة، فألغى الطبيب رحلته لطرابلس وعاد وحضر للمستشفى، وقبل أن يدخل الأطباء لغرفة العمليات، طلبوا مني الإمضاء على ورقة لإجراء عملية لأبني، فوقعت وكلي ثقة فيهم. يقول والد الطفل عبد الملك.

يضيف، ظللت أراقب بجميع أحاسيسي، إلا أنني على قناعة ويقين بأن الأطباء لن يبخلوا في إنقاذ وإسعاف ابني، وإيقاف نزفه، يتذكر أن ابنه ظل في غرفة العمليات أكثر من عشر ساعات متواصلة، أجريت له خلالها ثلاث عمليات جراحية كبرى.

قبل، وبعد!

بعد خروج ابنه من غرفة العمليات، وقبل إدخاله العناية المركزة، كان عند الثانية والنصف من صباح الثاني من أغسطس، شعرت بالراحة تماماً، فابني الذي دخل ميتاً قد خرج حياً، وقد تمت خياطة وجهه، وعلاج رجله ويده، حتى الأطباء أنفسهم طمأنوني على حالته، وأبلغوني أن ابني تجاوز مرحلة الخطر.

بعد أيام من بقائه في العناية المركزة، جلست مع الدكتور “إسماعيل السْكِير” أحد أطباء العناية الذين يتابعون حالة ابني، وطمأنني أن حالته مستقرة، وأن ثمة مخاوف من تشنجات لا أكثر.

وبعد عشرة أيام، تمكن “كمال الفنير” من رؤية ابنه، تخاطب معه بالحركات وكانت استجابة ممتازة جداً. يعلق والد الطفل.

خروج!

في الثامن عشر من أغسطس خرج الطفل عبد الملك من المستشفى، وعاد إلى المنزل، يستذكر والده بعض المواقف، “أمه لم تكن تدري أن إصابته كانت صعبة لهذه الدرجة، أخبرتها أنه مكسور فقط.

يضيف، كنت أرابط يومياً في المستشفى، وكان هناك إصرار من قبل أخوتي ومقربين لنا بضرورة نقل ابني للعلاج في تونس، حتى أنه تم استخراج جواز سفر لابني، في إشارة إلى ضرورة نقله لتونس، و كنت أقابل هذا الإصرار بالرفض المطلق مني، لا لشيء إلا لثقتي في أطبائنا الليبيين.

رأي طبي.

يقول الدكتور “إسماعيل السْكِير” وهو أحد الأطباء الذين أشرفوا على حالة “عبد الملك”، أن الأخير تم استقباله في قسم الطوارئ، خضع لتنفس صناعي احتياطياً، وتم إجراء تقييم مبدئي للضرر بحضور أطباء من مختلف التخصصات الطبية، وبعدها أدخل لغرفة العمليات باعتبارها حالة مستعجلة، وخضع لعدة عمليات جراحية.

يضيف الدكتور السْكِير، كانت هناك مخاوف حقيقية من وفاة “عبد الملك”، فهو طفل وزنه لا يتجاوز 20 كجم، ولا يتحمل النزف، وفقد دماً كثيراً من جسمه، ونحن في العناية أمام تحديات حقيقية، تعدد الإصابات، مع مراعاة تامة للتغذية الوريدية، والمضادات الحيوية والمسكنات.

يواصل قوله، أن الطفل “عبد الملك” خضع لتنفس صناعي لأسبوعين، بعدها تم التخلي عنه بالعودة للتنفس الطبيعي، وتقليص المنومات، وبعدها تم نقله إلى وحدة الملاحظة، باعتبار أن حالته تحسنت ولكن لا تزال تحتاج إلى مراقبة، مُشيراً إلى أن الطفل “عبد الملك” لا يزال بحاجة إلى دعم نفسي، ومتابعة طبيب عظام مختص وعلاج طبيعي مكثف، وترميم الوجه مستقبلاً.

اترك رد